أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

110

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

* * * يقول الشيخ محمّد رضا النعماني : « أثبتت الأحداث أنّ الفراغ الذي تركه رحيل الإمام الحكيم لم يُملأ بالشكل المطلوب سياسيّاً واجتماعيّاً - وإن كان من الناحية الفقهيّة قد مُلئ كاملًا - وبدأت الأمور تسير إلى ما لا يحمد عُقباه ، وبدأت علامات الخطر واضحة فيما سوف تصل إليه أوضاع الأمّة والمرجعيّة والحوزة في العراق . لقد كان واضحاً لمن له أدنى دراية بالأوضاع في العراق أنّ الضرورة كانت تقتضي التصدّي السريع لمرجعٍ يفهم حياة الأُمّة والمجتمع العراقي بالذات من كلّ الزوايا والمناحي ، ويحيط بالظروف والأوضاع إحاطة كاملة ، ويعرف ما يجب ويلزم من مواقف وما لا يجب ولا يلزم ، ولا يجعل التقيّة خطّاً ثابتاً في عمله ، ولا يفرّق فيه بين ( الكيان المرجعي ) كمقام ربّاني له لوازم ومقتضيات قد تفرض الإقدام على التضحية كما فعل الأئمة ( عليهم السلام ) ، وبين المرجع باعتباره إنساناً من أبناء الأمّة له الحقّ في حماية نفسه بالطريقة التي يراها من دون تأطّر بكيان ديني أو قيادي . وأتذكّر أنّ من الأمور التي هزّت الشهيد الصدر ( رحمة الله ) في تلك الفترة ، أنّ أحد المؤمنين سأل أحد المراجع الكبار عن جواز أو حرمة الانتماء إلى حزب البعث الحاكم في العراق ، فأفتاه بالجواز ، وكان ذلك المرجع خائفاً من أن يكون السائل من جواسيس السلطة ، أو أنّه يخشى من انعكاس ذلك على السلطة لو أفتى بالحرمة ، ممّا كان يسبّب له أضراراً شخصيّة ، وإلّا فنحن نعلم أنّ هذا المرجع يحرّم في الواقع الانتماء إلى حزب البعث العميل وأنّه أجلُّ من أن يفتي بالجواز واقعاً « 1 » . وكان تعليق السيّد الشهيد على هذه القضية وغيرها أنّ الوضع إذا استمرّ بهذا الشكل فإنّ الأجيال التي سوف تأتي سترى الانتماء إلى حزب البعث أمراً طبيعيّاً لا حرج فيه ، ولهذا السبب تصدّى ( رضوان الله عليه ) إلى الإفتاء بحرمة الانتماء لحزب البعث ، حتّى لو كان الانتماء صوريّاً ، وأعلن ذلك على رؤوس الأشهاد ، فكان هو المرجع الوحيد الذي أفتى بذلك وحزب البعث في أوج قوّته ، وكان ذلك أحد الأسباب التي أدّت إلى استشهاده . وأستطيع أن أقول : إنّ الإمام الشهيد الصدر توصّل إلى قناعة تامّة استند فيها إلى ما ترشّح من واقع التجربة : أنّ الوضع في العراق عامّة والنجف باعتبارها مركز الحوزة والمرجعيّة خاصّة بحاجة إلى مرجعيّة من نمط آخر قادرة على معالجة مشاكل خطيرة وكبيرة وإيجاد حلول جريئة أو اتّخاذ مواقف قد تسخط السلطة وتغضبها . ولا أريد هنا سرد جميع ما تعرّضت له الأمّة أو الحوزة في العراق من أزمات ومحن ولم تقف المرجعيّة العليا موقفاً يتناسب مع حجم المحنة ، ولكن على سبيل المثال أذكر نموذجين : الأوّل : عمليّات مطاردة الطلبة العراقيّين بحجّة أداء الخدمة العسكريّة الذي سبّب تقلّص عدد الطلبة الذين لم يكن يبلغ عددهم أكثر من مائة إلى مائة وخمسين نفراً ، مضافاً إلى ما يصحب ذلك من قلق نفسي يؤثّر على مستوى تحصيلهم العلمي . والثاني : عمليّات التسفير التي عمّت الطلبة الآخرين من غير العراقيّين وهم بالآلاف ، ممّا يعني في الواقع إفراغ الحوزة العلميّة في النجف الأشرف وكربلاء والكاظميّة وسامرّاء ، وهذا ما وقع فعلًا .

--> ( 1 ) انظر تفاصيل الحادثة ضمن أحداث سنة 1399 ه - .